الأسرى الأطفال في السجون الإسرائيلية ... بقلم : المحامية مي بركات

الخميس 13 أكتوبر 2016

الأسرى الأطفال في السجون الإسرائيلية
 
المحامية مي بركات 

شهدت الأراضي الفلسطينية في الهبة الشعبية الأخيرة أو ما قد اصطلح على تسميته "بانتفاضة القدس" عام 2015 مرحلة غير مسبوقة من الاستهدافات العشوائية للمواطنين الفلسطينيين تحت مزاعم محاولات تنفيذ أعمال طعن على أيدي قوات الإحتلال الإسرائيلي، والاعتقالات المتزايدة بحق الأطفال الفلسطينيين على وجه الخصوص.

فاستناداً إلى الإحصاءات الرسمية لهيئة شؤون الأسرى والمحررين في تقريرها نصف السنوي لعام 2016 والمنشور على موقع الحركة الوطنية الأسيرة، فقد سُجل خلال النصف الأول من العام 2016 اعتقال (712) طفلاً قاصراً تتراوح أعمارهم ما بين 11- 18 سنة وهو ما يشكل زيادة بنسبة تبلغ (83.5%) عن ذات الفترة لعام 2015، وهو ما اعتبرته الهيئة على حد وصفها بأنه "استهداف واضح للأطفال الفلسطينيين".

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه عمليات انتقامية عشوائية بحق الأطفال الفلسطينيين إلا أن المتتبع للسياسات الاحتلالية التي تم إفراغها ضمن قوالب قانونية بهدف شرعنتها، على الرغم من انتهاكها كلياً للقانون الدولي الإنساني لاسيما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 (والذي نصّ الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2004 بخصوص الجدار العازل على سريانها على الأرض الفلسطينية) والقانون الدولي لحقوق الإنسان ممثلاً بشكل رئيسي باتفاقية حقوق الطفل التي دخلت حيز النفاذ عام 1990، والمُنضمة إليها دولة الاحتلال عام 1991 والملزمة بموجب أحكامها باحترام الحقوق المذكورة فيها لصالح جميع الأطفال دون تمييز، واتخاذ التدابير اللازمة التي تراعي المصلحة الفُضلى للأطفال.

ومن أبرز الأوامر العسكرية التي شرعنت اعتقال الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية الأمر العسكري رقم (132) لعام 1967 والذي يعتبر أن الطفل الفلسطيني الذي تجاوز السادسة عشرة من العمر شخصاً ناضجاً، بالمقابل عرّف القانون الجزائي الإسرائيلي الطفل بأنه كل شخص لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر ليتفق في ذلك مع التعريف الوارد في اتفاقية حقوق الطفل أعلاه هذا وقد سمح الأمر أعلاه لقوات الاحتلال باعتقال الأطفال في سن الثانية عشرة، هذا بالإضافة إلى جملة من الأوامر العسكرية الأخرى والتي صدرت حديثاً فيما يتعلق بمعاملة الأحداث الفلسطينيين في محاكم دولة الإحتلال منها: الأمر العسكري رقم (1711) لعام 2013 والأمر العسكري رقم (1726) لعام 2013 واللذان يسمحان لاحتجاز الأطفال القاصرين لفترات طويلة. أما الأطفال الفلسطينيون في "القدس الشرقية" فيخضعون للقانون الإسرائيلي، وتحديداً قانون الأحداث الإسرائيلي مع إعمال الكثير من الاستثناءات العنصرية بحقهم على نصوص القانون، وذلك لكسر دائرة الحماية التي يفرضها القانون المذكور عنهم، منها ما يتعلق بتحديد سن الحدث كما تم توضيحه آنفا، وثانيا حرمان الطفل الفلسطيني من ضمانات المحاكمة العادلة وحقه بالمثول أمام جهة قضائية خاصة بالأحداث على غرار الأحداث الإسرائيليين، بدلاً من المثول أمام محكمة عسكرية.

هذا بالإضافة إلى ما يتعرض له الأسرى الأطفال في سجون الاحتلال من ممارسات قد ترقى إلى التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية منها ما أورده مركز المعلومات الوطني الفلسطيني- وفا على سبيل المثال لا الحصر: عزل الأطفال في زنازين انفرادية وحرمانهم من زيارة الأهل والمحامين، إطلاق الكلاب البوليسية عليهم، الضرب الشديد منذ لحظة الاعتقال بواسطة البنادق والأرجل والدوس عليهم من قبل الجنود، إجبار الأطفال على إدلاء اعترافات تحت الضرب والتعذيب والتهديد باعتقال أفراد الأسرة، ترك الأطفال الجرحى ينزفون لفترات طويلة قبل نقلهم للعلاج كالطفل أحمد مناصرة الذي هزت صوره العالم حيث ترك ينزف لمدة طويلة على الرغم من إصابته الخطيرة وذلك قبل تقديم العلاج له، وهو الأمر الذي يعززه تقرير هيئة شؤون الأسرى والمحررين المذكور آنفا الذي أكد على أن جميع الأطفال القاصرين تعرضوا لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب، وأن الغالبية منهم تعرضوا لأشكال قاسية من التعذيب خلال فترة اعتقالهم.

هذا واستعرضت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال- فلسطين في بيانها الصحفي المنشور بتاريخ 27 تموز 2016 بعض الممارسات التي تعرض لها الأسرى الأطفال المقدسيون على وجه الخصوص من الصفع والصراخ والضرب وتكبيل اليدين والخنق واستخدام العنف اللفظي.

مما تقدم، يتضح وجود سياسة احتلالية ممنهجة ومدروسة تستهدف الطفل الفلسطيني، تستدعي البحث عن آثار هذه السياسة على الأسير الطفل وأسرته نفسياً واجتماعيا.

بداية تشكل الفئة العمرية من (0-14) ما نسبته 39.4% والفئة العمرية من (15- 29) ما نسبته (30.0%) من شرائح تكوين المجتمع الفلسطيني بحسب المؤشرات الديمغرافية في فلسطين لعام 2015 الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وهو ما معناه أن هذه الممارسات موجهة بشكل ممنهج ضد شريحة عريضة من تكوينة المجتمع الفلسطيني بصفته مجتمع فتي، خاصة وأنها تتخذ شكلا من أشكال القمع وفرض السيطرة وتكريس مفهوم الهيمنة بالإضافة إلى أبعادها النفسية والإجتماعية على حد سواء، حيث تشوه نظرة الطفل لمحيطه فتصبح نظرة يشوبها الخوف والحذر وعدم الثقة وتفقده الشعور بالأمن والإستقرار والقدرة على التخطيط للمستقبل وهذه النتائج تعيق نمو الطفل الطبيعي وتحول دون انسجامه مع مكونات مجتمعه، وقد تدفعه للعزلة أو التطرف وتؤدي إلى نشوء طفل هيوب غير قادر على المبادرة.

وفي هذا السياق فقد أفادت أم الطفل الأسير م. ك. أحد سكان مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، أن ابنها الطالب في صف الحادي عشر، قد تعرض للاعتقال من قبل القوات الإسرائيلية وهو في السابعة عشرة من عمره، وقد تم اعتقاله من داخل المنزل وحُكم عليه بالسجن لسبعة أشهر. ووفقاً لإفادة الأم فإن طفلها قد عانى من أعراض تُعرف في علم النفس بـ"اضطرابات ما بعد الصدمة" تمثلت بشكل رئيسي بــالعصبية الزائدة، عدم القدرة على التكيف الإجتماعي مع محيطه، العناد، عدم الرغبة في التواصل مع الوالدين، التمرد على الوالدين لشعوره بأنه صار رجلاً ناضجاً، والتسرب المدرسي كما أصبح مدخناً شرهاً، هذا وقد أكدت والدته بأن اللامبالاة باتت سمته العامة.

إن الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة المترتبة على تجربة الاعتقال وما يتخللها من ممارسات تعذيب ولاإنسانية بحق الأسرى الأطفال، إنما تقتلعهم قسراً وبشكل لا رجعة فيه من مقاعد الطفولة، وتخلف ما وراءها أطفالاً عالقين غير قادرين على الرجوع لحياتهم الطبيعية ما قبل تجربة الاعتقال والسجن ولا على المضي قدماً كناضجين، وهو ما يؤثر سلباً بدرجة أولى على مجرى حياتهم وأسرهم وبطبيعة الحال على المجتمع ككل.

 
علم .. مقاومة .. حرية

الشبكات الاجتماعية

تـابعونا الآن على الشبكات الاجتماعية

القائمة البريدية