انفصام الشخصية بين الحس الوجداني والواقع العملي ...د. محمد شبير

الأربعاء 13 أبريل 2016

انفصام الشخصية بين الحس الوجداني والواقع العملي
 
الكاتب د. محمد كامل شبير
 
هناك ارتباط وثيق بين معالم الشخصية المكون الأول لنظام الجماعة وطبيعة تصورها الاعتقادي، بل أن هناك أكبر بكثير من ذلك هو انبثاق الشخصية وتكوينها من التصور الاعتقادي... فالفطرة الجامعة لمعالم الشخصية وهي الأساس في تكوين الشخصية وخصائصها ما هي إلا إحدى إنبثاقات التصور العقدي.
 
إن ارتباط الشخصية وخصائصها بالتصور العقائدي لا ينتج إلا شخصية صحيحة وسليمة لأن الإنبثاق جاء من تصور شامل لحقيقة الوجود، فحقيقة الانسان شخصيته ومعالمها، والتي يعبر عنها بأنماط سلوكية محددة؛ يلعب الدور الأكبر فيها المكون العاطفي وهو أسلوب شعوري عام يكون الإتجاه الحقيقي عامة نحو الفطرة يقول عز وجل "فطرة الله التي فطر الناس عليها..." ، نعم يبدأ الانسان منذ أن يرى أول نور للحياة موحداً مسبحاً لله، وقد أكد رسولنا الكريم على ذلك بأنه قال "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ، فأبويه إما يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ، فالانسان مؤمن بفطرته وسجيته لايعرف نفاقاً ولاكذباً، وبعدما كبر وترعرع ينفصل الشعور الوجداني عن حقيقة الفطرة فيظهر الاختلال في توازن الشخصية. لهذا عرفت الشخصية بأنها تلك الخصائص والسلوكيات الفردية المنظمة بطريقة معينة بحيث تعكس فردية التأقلم الذي يبديه الفرد اتجاه بيئته. إن حقيقة الشخصية تكمن في الخصائص والسلوك، وعليه إن حقيقة الخصائص الشخصية تتمثل في عقل الانسان، والسلوك يمثله نفسية الفرد الذي يتجسد من خلال سلوكه، ولهذا لابد للإنسان من تَخَيرِ كلامه وألفاظه، فكلامه عنوان على عقله وأدبه، وكما قيل: يستدل على عقل الرجل بكلامه، وعلى أصله بفعله. لذا يقال فلان محترم وفلان حديثه مؤدب وكلامه طيب، كما يقول المثل الذي فيك يكن على فيك، وكما قال الإمام علي رضي الله عنه: ما أضمر أحد شيئًا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه.
 
فعليه يجب أن تتصف الشخصية أولاً: بالاتجاه المعرفي لتكوين المعلومات والتي سوف تمثل الحقائق لدى الفرد، والمنطق الذي سوف تمثل العقلانية عند الانسان، ثانياً: الاتجاه العاطفي والذي تمثله الإنقياد إلى الصفات العاطفية وتتمثل بالحنو والدنو والرفق واللين والحب وإلى كل شيء جميل، فإذا مااجتمع الاتجاهين مع الاتجاه السلوكي تكونت الشخصية والتي سوف تتميز باتجاهاتها العقلية من القدرات والمهارات والكفاءات في طريقة التفكير، يأتي السلوك بعد ذلك ليدلل على ارتفاعه أو انخفاضه، وبما أن السلوك الفردي في الحياة أنما هو بحسب إدراكه، لذا فإن السلوك يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بإدراكه لا يكاد أن ينفصل عنه؛ وهذا ما تتميز به الشخصية من مفاهيم عامة لكل جوانب الحياة.
 
 
لذا يعتبر الادراك من أهم العوامل التي تشكل السلوك الإنساني وإن سلوك الفرد يمثل انعكاساً لإدراكاته، وتعتمد عملية الإدراك على أساسين هما: النشاط الذهني ( العقلي ) المكون المعرفي، والحس الوجداني (المكون العاطفي )؛ لذا يجب أن تتألف الشخصية الإسلامية من مزيج قوي ومتفاعل من المكون العاطفي والمكون المعرفي اللذان سيقودانها معاً للإمتثال للتصور العقائدي الذي سينتج الشخصية الصحيحة والسليمة.
 
إن المكون المعرفي لدى الإنسان يقود إلى معرفة الله الواحد الأحد مما قاد الفرد إلى عبادته وتفريده سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والقوامة بكل مقومات القوامة، فيتلقون منه وحده التصورات والقيم والموازين والأنظمة والشرائع والقوانين، والتوجيهات والأخلاق والآداب ومنها ينطلق الفرد بسلوكيات ايجابية نحو نفسه ومجتمعه وبعدها تتسع دائرة الإدراك لحقيقة المفاهيم الشاملة للحياة، ومن هنا تمتزج الشخصية بالتصور الشامل لمنهج المسلمين. كما أن الإنسان بعاطفته وحسه الوجداني شعر بأن هناك عظيم وراء هذا الكون، لذا يتولد عنده الشعور الفطروي الذي يؤثر في استجابته أن للكون إله.
 
عالج المنهج الإسلامي الإنسان معالجة كاملة لإيجاد الشخصية المتميزة عن غيرها، فعالج بالتصور العقائدي المكون المعرفي لعقله وأفكاره؛ إذ جعل به قاعدة صلبة من الفكر يبني عليها أفكاره ويكون على أساسها مفاهيمه، وعالج بالسنة النبوية معاملاته وعباداته وأستدل بها في تفسير القرآن الكريم. إن التصور العقائدي النابع من القرآن والسنة تتكون العقلية التي تتميز بمقياس صحيح للأفكار التي تتحكم بعد ذلك بميوله وغرائزه؛ مما سبق تتكون الشخصية الإسلامية المتناغمة والمنساقة للمنهج الإسلامي والتي تجعل هواها تبعاً لما جاء بها الإسلام.
 
فالمسلم حين تتكون لديه العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية يصبح مؤهلاً لفهم الحياة فهماً صحيحاً، فيستولي على الحياة الدنيا بحقها فلا تغلب عليه صفة من صفات عباد الدنيا ولايأخذه الهوس، فهو عندما يكون كذلك تجمع شخصيته بين الإمارة والفقه، وبين التجارة والسياسة، وبين النظرية وواقعية العمل وبين المكون المعرفي والمكون الحسي وتبعيتهما للمنهج الإسلامي . هذه هي الشخصية الإسلامية المنتجة العاملة المخلصة الباغية لتقدم الإسلام وعمارة الأرض به وبأمثالها، فالشخصية لا تحدد بترابها وأين تتوطن وبقبيلتها وبحزبها وأين تكون وتنتمي.... فالانتساب إلى تراب بلد أو قبيلة أو حزب لا يضفي ذلك على الشخصية شيئاً؛ بل العقلية والنفسية التي أدركت أن اتجاهها نحو الممارسات الايجابية والبناءة وتجسيد ذلك بأنماط مختلفة من السلوك الإيماني الفعال المنتج هي التي تكون معالم الشخصية الحضارية للإنسان بغية الوصول إلى شخصية سوية سليمة صحيحة.
 
أما العجيب في الأمر أن الشخصية المعاصرة تعاني من إيجاد المكونين لها معاً في تجسيدهما لحقيقة السلوك الإنساني؛ لذا فقدت حقيقة الإدراك للمنهج الإسلامي؛ فوقعت الشخصية بين المكون المعرفي تارةً أوالمكون العاطفي تارةً أخرى، فنجد أن السلوك العام قد خالف حقيقة المكون المعرفي الذي يقول له لا تكذب لا تراوغ لا تغار فتحسد فتحقد، وقد خالف المكون الحسي والشعوري فأبى إلا أن يصلي ويصوم ويحج ويزكي ...... دون الإحساس بلذة العبادة، فجنح بسلوكه في الحياة إلى جعل العبادة روتيناً يؤديه دون التذوق بها؛ فانفصلت الشخصية الإسلامية في واقعها عن التصور العقائدي.
 
إن انفصال الشعائر التعبدية عن النشاط الإجتماعي للفرد "الواقع العملي" تصاب الشخصية بداء الفصام الذي يعبر عنه بالممارسات السلوكية الخاطئة، فالناتج شخصية ضعيفة يصيبها القلق والحيرة فتقع فريسة لهذا التمزق بين واقعه الشعوري الوجداني وواقعه الحركي العملي.
 
 
 

اقـرأ أيـضـــاً

"التفكير بالتغيير من أجل النهضة" بداية طريق التحدي القادم .... بقلم : د. محمد شبير ولا غرابة في كل ذلك، إذا ما أيقنا أننا اليوم نعيش التخلف الحضاري والخنوع الفكري، والتسلط على المبدعيين ومستنيري التفكير واستبعادهم من ساحات التقدم والإزدهار وتكبيلهم بمحاربتهم وتوثيقهم بالسلاسل والأغلال لأن من يمتلكون القوة الدافعة غير مؤهلين للدفع والسير في التقدم وكل هذا نتاج سطحية التفكير
انطلاقتنا ال 14 - نادر حمودة
يا حركتنا الأبية
اشتدي يا فوارس غزتنا
علم .. مقاومة .. حرية

الشبكات الاجتماعية

تـابعونا الآن على الشبكات الاجتماعية

القائمة البريدية