لمى خاطر
حرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي هي بعض الركائز التنظيرية التي يستند إليها خطاب رئيس وزراء حكومة فتح في الضفة سلام فياض حين يعقد لقاءات مفتوحة مع الإعلاميين والصحفيين والمثقفين، ويشرع بالتغني بمظاهر حرية الرأي التي تكفلها حكومته، وبحرية ممارسة النشاط السياسي مهما كانت حدة اختلافه مع سياساتها.
وكالعادة تكمل جحافل الإعلاميين المشهد المدّعى برسومات وردية تجسّد حالة الديمقراطية في جمهورية الضفة والنعيم المقيم في ربوعها على صعيد الحريات، وتبتهج منظمات حقوق الإنسان بتلك الحرية إذا ما سمح لها بزيارة المعتقلين السياسيين في سجون الأجهزة الأمنية والتحدث معهم، وتصدر بيانات إعلامية متغنية بهذا الإنجاز، دون أن ننكر أن بعضها انحاز لمهنيته في مواقف كثيرة.
فاطمة الزهراء سدر؛ طالبة جامعية من مدينة الخليل، في سنتها الدراسية الأخيرة، اكتشفت الأجهزة الأمنية أنها تشكل خطراً على الأمن العام كونها تشارك في فعاليات الاحتجاج على الاعتقال السياسي، فتم استجوابها مع أسرتها في منزلها، مع العلم بأن والدها متوفى، وشقيقها الأكبر نزار يقضي حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً في سجون الاحتلال، كما ذكرت لجنة أهالي المعتقلين التي أدانت الحادث. التجاوز الخطير هنا والذي ننتظر من حكومة فياض تحقيقاً فيه (إن كانت بالفعل تحارب الفساد والتجاوزات) هو أنه تم تهديد فاطمة من قبل جهاز المخابرات بحرمانها من شهادتها الجامعية ومن الحصول على جواز سفر أو تجديد هويتها، في حال لم تتوقف عن المشاركة في تلك الفعاليات، مع أنها سلمية وتكاد تقتصر على النساء والأطفال، وتجري بشكل أسبوعي في مدينة الخليل.
ونريد أن نفهم هنا؛ هل يدخل ضمن صلاحيات الأجهزة الأمنية الحق في حرمان الناس من أبسط حقوقهم المدنية؟ وهل تملك أن تحرمهم إجراء معاملاتهم الرسمية؟ وهل يسوّغ قانون حكومة فياض هذا الشكل الرخيص من الابتزاز لمجرد مشاركة مواطن بنشاط احتجاج سلميّ؟ أما الشقّ الثاني من الاستفسارات فنتوجه به إلى جامعات الضفة، وعليها أن تقدم إجابة واضحة حول مقدار تدخل الأجهزة الأمنية في عملها الأكاديمي! وهل التي حظرت نشاطات طلابية عديدة بدعوى عدم تسييس الجامعات! وصمتت عن تغوّل الأجهزة على طلابها باعتقالهم وتعذيبهم.
ندرك أن الأجهزة الأمنية لا تملك حرمان الناس من ممارسة حياتهم رغم إيحائها لكل من يقع في دائرة تهديدها أنها قادرة على كتم أنفاسه وتحويل حياته إلى جحيم، ورغم أنها لا تتورع عن ابتزاز الناس بأحطّ الأساليب وتحاول تحويل قطاع كبير منهم للعمل عيوناً لها مستغلة حاجة كثيرين منهم لورقة (حسن السلوك) التي صارت مطلباً (قانونياً) لكل خطوة يتقدمها المواطن في حياته، وهو أسلوب رخيص وقذر يحاول (قوننة) القمع وتكميم الأفواه، واستغلال حاجات الناس لإخضاعهم وفرض معايير (الاحترام والسلوك الحسن) عليهم كما تقرّها حكومة فياض، والتي لا يرضيها سوى تحويل الناس إلى قطعان سائمة تنكر ذاتها وتسبح بحمد الفساد والتنسيق الأمني والتفريط.
لا شك لديّ بأن فاطمة وأمثالها من الحرائر لن تنكسر فيهنّ إرادة الصمود وعنفوان التحدي، لكنني في المقابل أوجه النداء لكل مواطن تعرّض لأي شكل من أشكال التهديد بأن يبادر لفضحه وإشهاره، فما حكّ جلدك مثل ظفرك، ومن حسن حظّ المظلومين والمقموعين اليوم أن للإعلام عيوناً وآذاناً لا يقوى أي نظام أو أجهزة بوليسية على إغلاقها، فصفحات المنتديات والفيسبوك متاحة للجميع، وهي أبلغ أثراً وأوسع انتشاراً من وسائل الإعلام التقليدية التي تترصّدها الأجهزة الأمنية وتتابعها، أو تحرص على استمالتها وإلزامها بسياساتها.
وإن كانت أجهزة فتح تمتنع عن القمع العلني خشية أن تقطع آخر شعرة بين الناس وطاقتهم على الاحتمال، فإن قمعها الخفيّ في المقابل، وأساليب أجهزتها الرخيصة في ابتزاز الناس وتهديدهم بكل ما يخطر على بال المخبرين يجب أن يظل في دائرة الضوء وتحت المجاهر الإعلامية، فعهد العتمة ولّى إلى غير رجعة، ومن يريد طرق أبواب التهديد من خلف الكواليس عليه أن يسمع الجواب مدوّياً، وتحت الشمس، وعلى الملأ!
الشبكات الاجتماعية
تـابعونا الآن على الشبكات الاجتماعية